محمد الغزالي
24
خلق المسلم
من صبب ؛ ذلك ما لم يطرأ عليه تشويه ، يلوي عنانها ويثنيها عن وجهتها الأولى إلى الكمال والخير والفضيلة . وهذه الطوارىء المفسدة للفطرة ، قد تتكون من رواسب القرون الماضية ، أو من تقاليد البيئات الساقطة ، أو من كليهما معا . وهي شديدة الخطر فيما تجره على الفطرة البشرية من علل ، وجهاد المصلحين الحقيقي يقوم على كفاحها وكسر حدتها ، وإنقاذ الفطرة من غوائلها ، حتى تعود إلى صفائها الأصيل وتؤدي وظيفتها الحقة . وقد شرح الإسلام طريق ذلك . فبعد أن تقرأ في كتاب اللّه الآية السابقة في أن الدين هو الفطرة ، تقرأ قوله تعالى : . . . مُنِيبِينَ إِلَيْهِ . وَاتَّقُوهُ ، وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ ، وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ : مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكانُوا شِيَعاً كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ « 1 » . الإيمان لا الإلحاد ، والتقوى لا الفجور ، ووحدة المتدينين على ربهم لا تفرقهم فيه : هذه النصائح هي باب العودة بالإنسان إلى فطرته المستقيمة . وقد كرر القرآن الكريم هذا المعنى في قوله : لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ، ثُمَّ رَدَدْناهُ أَسْفَلَ سافِلِينَ . إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ « 2 » . ذلك التقويم الحسن ، هو معرفة الحق والاستمساك به ، والسير على مقتضاه ، هو الولوع بالفضل والنبل ، ورعايتهما في منطق المرء مع نفسه ومع الناس . وهو نشدان الكمال في نسقه العالي ، وتغليبه على كل شيء في الحياة . بيد أن كثيرا من الناس ، تثقل بهم أهواؤهم دون هذا المستوى العالي ، فيخلدون إلى الأرض ، ثم تجمح بهم أهواؤهم المتعبة ، فينحدرون إلى مكان سحيق ، وذلك هو أسفل سافلين ، الذي يردهم اللّه إليه . هذا الرد الإلهي ، خاضع لقوانين الهداية والإضلال ، وهي قوانين عادلة دقيقة ، ذكرها القرآن الكريم في قوله : وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَداهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ ما يَتَّقُونَ . إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ « 3 » .
--> ( 1 ) الروم : 31 ، 32 . ( 2 ) التين : 4 - 6 . ( 3 ) التوبة : 115 .